أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

265

العقد الفريد

أنكرت شيئا فلست فاعله * ولن تراه يخطّ في كتبك إن يك جهل أتاك من قبلي * فعد بفضل علىّ من حسبك فاعف فدتك النّفوس عن رجل * يعيش حتى الممات في أدبك ولكل مكتوب إليه قدر ووزن ، ينبغي للكاتب أن لا يجاوزه عنه ولا يقصر به دونه ، وقد رأيتهم عابوا الأحوص حين خاطب الملوك خطاب العوام في قوله : وأراك تفعل ما تقول وبعضهم * مذق « 1 » الحديث يقول ما لا يفعل وهذا معنى صحيح في المدح ، ولكنهم أجلّوا قدر الملوك أن يمدحوا بما تمدح به العوام ؛ لأنّ صدق الحديث وإنجاز الوعد وإن كان من المدح ، فهو واجب على العامة ، والملوك لا يمدحون بالفرائض الواجبة ، إنما يحسن مدحهم بالنوافل لأن المادح لو قال لبعض الملوك : إنك لا تزني بحليلة جارك ، وإنك لا تخون ما استودعت ، وإنك لتصدق في وعدك وتفي بعهدك ؛ فكأنه قد أثنى بما يجب ؛ ولو قصد بثنائه إلى مقصده كان أشبه في الملوك . ونحن نعلم أن كل أمير يتولى من أمير المؤمنين شيئا فهو أمير المؤمنين ؛ غير أنهم لم يطلقوا هذه اللفظة إلا في الخلفاء خاصة . ونحن نعلم أن الكيس هو العقل ، ولكن لو وصفت رجلا فقلت : إنه لعاقل كنت مدحته عند الناس ، وإن قلت : إنه لكيّس كنت قد قصّرت به عن وصفه ، وصغّرت من قدره ، إلا عند أهل العلم باللغة ؛ لأن العامة لا تلتفت إلى معنى الكلمة . ولكن إلى ما جرت به العادة من استعمالها في الظاهر ؛ إذ كان استعمال العامة لهذه الكلمة مع الحداثة والغرة وخساسة القدر وصغر السن . وقد روينا عن علي كرم اللّه وجهه أنه تسمى بالكيّس حين بنى سجن الكوفة ، فقال في ذلك :

--> ( 1 ) المذق : الملول .